مجد الدين ابن الأثير

439

المختار من مناقب الأخيار

يا فتى . فقال له الشابّ : يرحمك اللّه ، ما علامة الخوف من اللّه ؟ قال : أن يؤمّنه خوفه كلّ خوف غير خوفه . قال : متى يتبيّن للعبد خوفه من اللّه ؟ قال : إذا نزّل نفسه من الدّنيا منزلة السّقيم ، فهو يحتمي من أكل الطعام مخافة السقام ، ويصبر على مضض كلّ دواء مخافة طول الضّنى . فصاح الفتى صيحة ، ثم بقي باهتا ساعة ، ثم قال : رحمك اللّه ، ما علامة المحبّ للّه ؟ فقال له : حبيبي ، إنّ درجة الحبّ درجة رفيعة . قال : فأنا أحبّ أن تصفها لي . قال : إنّ المحبّين للّه تعالى شقّ عن قلوبهم ، فأبصروا بنور القلب عن جلال اللّه ، فصارت أبدانهم دنياويّة ، وأرواحهم حجبيّة ، وعقولهم سماويّة ، يسرح بين صفوف الملائكة ، وتشاهد تلك الأمور باليقين فعبدوه بمبلغ استطاعتهم حبّا له ، لا طمعا في جنّة ، لا خوفا من نار . فشهق الفتى وصاح صيحة كانت فيها نفسه . قال : فأكبّ الشيخ عليه يلثمه ، ويقول : هذا مصرع الخائفين ، وهذه درجة المجتهدين « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال أبو بكر القرشي : قرأت في كتاب جعفر الخلديّ « 2 » بخطّه قال سلامة : كنت باليمن في بعض مخاليفها « 3 » ، فإذا رجل معه ابن شابّ ، فقال : إنّ هذا أبي ، وهو خير الآباء ، ولي بقر تأتيني مساء ، فأحلبها ثم آتي أبي وهو في الصلاة فأحبّ أن يكون عيالي يشربون فضله ، فلا أزال قائما عليه ، والإناء في يدي ، وهو مقبل على صلاته ، فعسى أن لا ينفتل ويقبل حتى يطلع الفجر . قلت للشيخ : ما تقول ؟ قال : صدق . وأثنى على ابنه ،

--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 299 ، 300 . ( 2 ) في صفة الصفوة 2 / 301 : « جعفر الآدمي » . ( 3 ) المخاليف في اليمن كالكور بالعراق ، والأجناد بالشام . مفردها مخلاف ، وهو الصّقع أو المدينة . انظر معجم متن اللغة ( خلف ) .